الولايات المتحدة أمام اختبار سياسي كبير
انتخابات تتجاوز صنادیق الاقتراع
إن التحديات الأساسية التي تواجهها الحكومة الأمريكية في مجالات الاقتصاد وتكاليف المعيشة والهجرة والانقسام السياسي العميق والسياسة الخارجية، جعلت انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 تتجاوز كونها مجرد منافسة على مقاعد الكونغرس، لتتحول إلى نوع من منح الثقة إلی المسار الراهن للولايات المتحدة. وفي وقت تواجه فيه واشنطن أزمات أمنية وجيوسياسية متعددة، يترقب الجميع ما ستقوله صناديق الاقتراع: ما إذا کان الأمريكيون یرسخون قوة، أم ستتغير المعادلة السياسية في واشنطن؟
تكتسب انتخابات التجديد النصفي أهمية مضاعفة بالنسبة إلى دونالد ترامب والجمهوريين. فالحفاظ على الأغلبية في الكونغرس يمكن أن يمنح الإدارة الأمریکیة مساحة أوسع للمضي قدما في برامجها الداخلية والخارجية، في حين أن خسارتها قد تعني بدء مرحلة من المواجهة السياسية الأكثر حدة بين البيت الأبيض والكونغرس. وفي المقابل، يأمل الديمقراطيون في تحويل الاستياء الاقتصادي والاجتماعي والمخاوف بشأن سياسات الإدارة إلى أصوات احتجاجية. ولهذا السبب، لا تدور المنافسة الانتخابية فقط حول مستقبل عدد من الولايات أو المقاعد، بل حول سؤال أساسي مفاده: أي تيار سيتولى رسم مسار السياسة الأمريكية خلال السنوات المقبلة؟
ونظرا لأن الولايات المتحدة تواجه الان اختبارات صعبة على الساحة الدولية، تتضاعف أهمية هذه الانتخابات. فالمنافسة مع الصين، والحرب في أوكرانيا، وأزمات الشرق الأوسط، والعلاقات المتوترة مع الحلفاء، والتحديات الأمنية، كلها فرضت ضغوطا إضافية على السياسة الخارجية لواشنطن. وفي مثل هذه الظروف، يمكن لأي تغيير في تركيبة الكونغرس أن يؤثر في قرارات الإدارة بشأن الموازنة والسياسة الخارجية وقضايا الأمن القومي. ومن ثم، قد تكون انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، أكثر من مجرد منافسة انتخابية، اختبارا لقياس قوة الولايات المتحدة في الداخل ومكانتها في العالم.
وتقف الولايات المتحدة على أعتاب اختبار سياسي جديد؛ انتخابات يمكن أن تعيد رسم توازن القوى في واشنطن. وخلف هذه المنافسة السياسية، يقف مجتمع أصبح أكثر انقساما من أي وقت مضى. فلم تعد الخلافات الحزبية تقتصر على السياسات الاقتصادية أو البرامج الانتخابية، بل تحولت قضايا مثل الهجرة والحقوق الاجتماعية ودور الحكومة الفيدرالية والسياسة الخارجية أيضا إلى ساحات للمواجهة بين التيارين الرئيسيين. وأصبحت كل انتخابات في الولايات المتحدة مصحوبة بمخاوف من أن تؤدي نتائجها إما إلى الحد من الخلافات أو إلى تعميق الانقسامات القائمة.
ومن جهة أخرى، يمكن أن يكون الوضع الاقتصادي وتكاليف المعيشة من أكثر العوامل حسما في سلوك الناخبين. وحتى إذا قدمت المؤشرات الاقتصادية الضخمة صورة مختلفة، فإن ما يهم الناخب في نهاية المطاف هو أسعار السلع، وتكاليف السكن، ووضع سوق العمل، والقدرة الشرائية للأسر. وسيحاول الجمهوريون تحميل سياسات الديمقراطيين السابقة مسؤولية المشكلات الاقتصادية، بينما سيشكك الديمقراطيون في أداء الإدارة القائمة. وفي مثل هذا المناخ، لن تتحول الانتخابات إلى مجرد منافسة على الشعارات السياسية، بقدر ما ستقترب من كونها حكما شعبيا على جودة الحياة اليومية للمواطنين.
وعلى الصعيد الخارجي أيضا، تواجه الولايات المتحدة عالما أكثر تعقيدا من ذي قبل. فالمنافسة المتصاعدة مع الصين، والحرب في أوكرانيا، وتطورات الشرق الأوسط، والحرب مع إيران، وضعت واشنطن في موقع يمكن فيه لقرارات السياسة الخارجية أن تؤثر بصورة مباشرة علی السياسة الداخلية. كما تتأثر النفقات العسكرية والمساعدات الخارجية وأمن الطاقة وحتى الأسعار داخل الولايات المتحدة بتداعيات القرارات الخارجية لهذا البلد. ومن هذا المنطلق، قد لا يقرر الناخب الأمريكي عند توجهه إلى صناديق الاقتراع فقط بشأن انتخاب نائب أو سيناتور، بل قد يصدر حكما، في ضوء رؤيته لدور الولايات المتحدة في العالم.
يمكن لنتائج هذه الانتخابات أن تحدث تحولا في طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس. فإذا حافظ حزب الرئيس على أغلبيته، فسيكون الطريق أکثر تمهیدا أمام تنفيذ سياسات الإدارة ؛ أما إذا تمكن خصومه من السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، فقد تدخل واشنطن مرحلة جديدة من الجمود والمواجهة السياسية. وقد تتحول الموازنة والسياسة الخارجية وتحقيقات الكونغرس وحتى البرامج الرئيسية للإدارة إلى ساحة جديدة للصراع السياسي.
وفي نهاية المطاف، ينبغي النظر إلى انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 باعتبارها أكثر من مجرد انتخابات اعتيادية؛ إذ يمكن أن تقدم صورة عن الوضع السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة في خضم واحدة من أكثر مراحل السياسة الداخلية والخارجية للبلاد توترا. ولا يقتصر السؤال الأساسي على الحزب الذي سيحصد عددا أكبر من المقاعد؛ فالقضية الأهم هي ما إذا كان الناخبون الأمريكيون سيؤيدون المسار الحالي، أم سيوجهون، من خلال تغيير توازن القوى، رسالة واضحة إلى واشنطن.

انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 وتركيبة الكونغرس
تجرى انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وتشمل جميع المقاعد الـ435 في مجلس النواب، إلى جانب جزء مهم من مقاعد مجلس الشيوخ.
يخوض الجمهوريون الانتخابات من موقع قوة، إلا أن هامش أمنهم في مجلس النواب ضئيل للغاية. وفي مجلس الشيوخ أيضا، يتعين على الديمقراطيين قلب نتائج عدد من المنافسات الصعبة جدا لصالحهم من أجل الوصول إلى الأغلبية. ولذلك، حتى إذا حقق الديمقراطيون تفوقا في التصويت الشعبي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تمكنهم من السيطرة على المجلسين.
في الولايات المتحدة، تستمر ولاية الرئيس أربع سنوات، لكن انتخابات الكونغرس تجري وفق دورة مختلفة.
ويتألف الكونغرس من مجلسين:
-مجلس النواب (House of Representatives): يضم 435 عضوا، وتستمر ولاية كل نائب عامين فقط.
-مجلس الشيوخ (Senate): يضم 100 عضو، وتستمر ولاية كل سيناتور ست سنوات، لكن يُنتخب نحو ثلث أعضاء المجلس كل عامين.
وبالتالي، تجرى انتخابات رئاسية كل أربع سنوات، لكن في منتصف الولاية الرئاسية تجرى مجددا انتخابات للكونغرس. ولهذا تعرف الانتخابات التي تجرى في السنة الثانية من الولاية الرئاسية باسم Midterm Elections، أي انتخابات التجديد النصفي.
ويحظى الجمهوريون حاليا بالسيطرة على مجلسي الكونغرس.
أهم المقاعد التي ستُطرح للتصويت:
جميع المقاعد الـ435 في مجلس النواب؛ أي أن المجلس بأكمله سيُعاد انتخابه لولاية مدتها عامان.
35 مقعداً من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ، وتشمل هذه المقاعد الانتخابات الدورية وعدداً من الانتخابات الخاصة.
وإلى جانب انتخابات الكونغرس، تُجرى في الولايات أيضاً انتخابات حكام الولايات ومجالسها التشريعية، ويختلف عدد هذه المنافسات وطبيعتها من ولاية إلى أخرى.
وفي التركيبة الحالية للمجلس المؤلف من 435 مقعدا، يشغل الجمهوريون 218 مقعدا، والديمقراطيون 212 مقعدا، ومستقل مقعدا واحداً، فيما توجد أربعة مقاعد شاغرة. وهذا يعني أن الجمهوريين لا يملكون، على الورق، سوى ثلاثة مقاعد فوق حد الأغلبية البالغ 218 مقعداً. وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة، لأنه إذا خسر الجمهوريون ثلاثة مقاعد صافية فقط، فقد يتمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلس النواب.
والمقعد الشاغر هو المقعد الذي لا يشغله حالياً أي نائب، على سبيل المثال بسبب استقالة النائب أو وفاته. وقد تُجرى انتخابات خاصة لملء هذا المقعد.
أما المقاعد التي ستُنتخب في انتخابات 2026، فهي المقاعد التي تنتهي ولاية النواب الذين يشغلونها حالياً خلال عام 2026، ووفق الجدول الانتخابي، سيدلي الناخبون بأصواتهم لاختيار ممثلين جدد. وحتى إذا كان المقعد يشغله نائب حالياً، فإنه سيُطرح مجدداً للتصويت في انتخابات 2026.
ويشغل الديمقراطيون حالياً 212 مقعداً في مجلس النواب الأمريكي، في حين يحتاجون إلى 218 مقعداً للحصول على الأغلبية. وبالتالي، يتعين عليهم الفوز بما لا يقل عن ستة مقاعد إضافية. وبما أن الجمهوريين يشغلون حالياً 218 مقعداً، فإن تمكن الديمقراطيين من انتزاع ثلاثة مقاعد على الأقل من الجمهوريين مع احتفاظهم في الوقت نفسه بمقاعدهم الحالية، يمكن أن يؤدي إلى تغير توازن القوى لمصلحة الديمقراطيين في المجلس.
ولهذا السبب، تبدو وضعية مجلس النواب شديدة الهشاشة، وقد تكون المنافسة على مقاعد محدودة كافية لتغيير ميزان القوى داخل المجلس.

انتخابات مجلس الشيوخ
يتألف مجلس الشيوخ من ۱۰۰ عضو. وفي التشكيلة الحالية، يمتلك الجمهوريون ۵۳ مقعدا، بينما يمتلك الديمقراطيون ۴۵ مقعدا، بالإضافة إلى مقعدين للمستقلين المتحالفين مع الديمقراطيين، مما يرفع إجمالي كتلة الديمقراطيين إلى ۴۷ مقعدا. وبناء على ذلك، تؤول الغلبة عمليا للجمهوريين بنسبة ۵۳ مقابل ۴۷ مقعدا. ولتحقيق أغلبية حقيقية، يتعين على الديمقراطيين الوصول إلى ۵۱ مقعدا؛ وبما أن نائب الرئيس يمتلك صوتا حاسما في حال تعادل الأصوات (۵۰-۵۰)، ونظرا لأن نائب الرئيس الحالي ينتمي للحزب الجمهوري، فإن الديمقراطيين بحاجة إلى ۴ مقاعد إضافية صافية.
يتمتع مجلس الشيوخ بصلاحيات واسعة ومؤثرة، تشمل المصادقة على الوزراء، والسفراء، والقضاة الفيدراليين، وقضاة المحكمة العليا، فضلاً عن إقرار بعض المعاهدات الدولية. ولهذا السبب، فإن فقدان ترامب للسيطرة على مجلس الشيوخ سيمثل ضربة قاسية للغاية له.
وفي عام ۲۰۲۶، ستكون ۳۵ مقعدا في مجلس الشيوخ عرضة للانتخاب، بما في ذلك إثنان من الانتخابات الخاصة في ولايتي أوهايو وفلوريدا نتيجة شغور مقعدي “جي دي فانس” و"ماركو روبيو". ومن بين هذه المقاعد الـ۳۵، يمتلك الجمهوريون ۲۲ مقعدا، بينما يمتلك الديمقراطيون ۱۳ مقعدا، مما يعني أن التشكيلة تميل منذ البداية لصالح الجمهوريين.
وعلى هذا الأساس، يحتاج الديمقراطيون إلى تغييرات محدودة في مجلس النواب لتحقيق الفوز، أما في مجلس الشيوخ، فيتعين عليهم الفوز في عدة ولايات تميل نسبياً للجمهوريين.
وتشمل المنافسات الحاسمة ولايات مثل: مين، كارولاينا الشمالية، جورجيا، ميشيغان، أوهايو، ألاسكا، أيوا، وتكساس. ويكمن الخطر الذي يواجه الجمهوريين في أنه إذا تحول المناخ العام ضد تيارهم، فقد تدخل حتى بعض الولايات الجمهورية ساحة لساحة التنافس.
وإذا أُجريت الانتخابات اليوم، فسيحظى الديمقراطيون بفرص جيدة للفوز بالأغلبية في مجلس النواب، بينما لا يزال الجمهوريون يمتلكون فرصة أكبر للحفاظ على أغلبية مجلس الشيوخ، رغم أن الفجوة بدأت في التقلص.
ترامب ونتائج الانتخابات
إذا أدی الأمر بعد اجراء الإنتخابات إلى سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب والجمهوريين علی مجلس الشيوخ، مع بقاء ترامب في منصب الرئاسة، فإن المشهد السياسي الخاص به سيشهد تحولا جذريا. فلن یواجه بعد ترامب مع کونغرس متناغم تماما مع توجهاته في تمرير العديد من القوانين والميزانيات والبرامج المحلية.
وببرز أحد أهم صلاحيات المجلس في التحقيق والرقابة؛ حيث تستطیع لجان المجلس التحقيق في أداء الحكومة، وإصدار أوامر الاستدعاء، وطلب الوثائق، وعقد جلسات الاستماع. وإذا ما أحكم الديمقراطيون قبضتهم على الأغلبية، فإن اللجان الحيوية مثل: اللجان القضائية، والرقابية، والقوات المسلحة، والشؤون الخارجية، والاستخبارات، ستصبح تحت سيطرتهم. وهذا يعني أن ترامب قد يتحول من رئيس يتمتع بتأييد تشريعي كامل، إلى رئيس يواجه تحقيقات برلمانية يومية.
لذا، يمكن القول إن الخطر الأكبر الذي يهدد ترامب ليس مجرد الهزيمة الانتخابية، بل يكمن في "فقدان السيطرة على مجلس النواب". ففي حال خسارة الجمهوريين لهذا المجلس، سيتمكن الديمقراطيون من إطلاق تحقيقات موسعة ضد الإدارة، تشمل على سبيل المثال: قرارات السياسة الخارجية، والحرب مع إيران، والنفقات العسكرية، وأداء وزارة العدل، والملفات المالية والسياسية، والقرارات التنفيذية، بالإضافة إلى العقود والميزانيات الفيدرالية. ومن شأن ذلك أن يجعل العامين الأخيرين من ولاية ترامب الرئاسية يتسمان بتوتر شديد وغير مسبوق.
إيران ونتائج الانتخابات
لكن انتخابات عام 2026 حاسمة بالنسبة للملف الإيراني. فسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب قد تزيد من التكاليف السياسية والقانونية لاستمرار الحرب مع إيران. إلا أن الديمقراطيين لا يستطيعون بالضرورة إيقاف الحرب بمفردهم. بإمكانهم أن يسألوا الرئيس: ما هو هدف الحرب؟ ما هي تكلفتها؟ ما عدد الأسلحة المستخدمة؟ كم عدد الضحايا الأمريكيين؟ هل يملك الرئيس صلاحية مواصلة الحرب؟ هل ينبغي للولايات المتحدة الاستمرار في العمليات العسكرية؟
لكن من المعلوم أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، فستواجه العديد من الإجراءات التشريعية التي يتخذها الديمقراطيون عقبات.
مع ذلك، فإن الإقبال الحالي علی الديمقراطيين لا یعني بالضرورة أن الحزب الديمقراطي يتمتع بشعبية واسعة. ويرجع جزء كبير من ذلك إلى أن انتخابات التجديد النصفي تعتبر عادة بمثابة استفتاء على أداء الرئاسة. فإذا كان رد الفعل الشعبي سلبيا، فعادة ما يخسر حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي.
يعد فوز عبد الرحمن السيد، الطبيب المسلم والسياسي التقدمي، في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان، مثالا بارزا على هذا التحول. فقد هزم مرشح الحزب التقليدي ببرنامج انتخابي قائم على إصلاح الرعاية الصحية، والعدالة الاقتصادية، وإنهاء الدعم العسكري "غير المشروط" لإسرائيل. وإذا فاز في نوفمبر، فسيكون أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.
وبالتالي، قد تشكل انتخابات عام 2026 نقطة تحول في ثلاثة اتجاهات: الإضعاف السياسي لإدارة ترامب في حال خسارة الجمهوريين؛ وتزايد نفوذ التيارات التقدمية والعربية والإسلامية في الحزب الديمقراطي؛ والتحوّل التدريجي في السياسة الأمريكية من دعم شبه مطلق لإسرائيل إلى مساعدات عسكرية مشروطة، وضغط من أجل وقف إطلاق النار، والمزید من الاهتمام بالحقوق الفلسطينية.
أهمية الناخبين المسلمين
يعد دور الناخبين المسلمين في انتخابات عام 2026 ذا أهمية تاريخية. فالناخبون المسلمون الأمريكيون ليسوا كتلة موحدة تماما، إذ توجد بينهم اختلافات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة. إلا أن حرب غزة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل جعلت من الشرق الأوسط قضية محورية بالنسبة لشريحة كبيرة من هذا المجتمع.
ينتقل المجتمع المسلم الأمريكي من مرحلة "التصويت" إلى مرحلة "صناعة السياسيين". أي أن المسلمين لم يعودوا مجرد فئة ناخبة، بل أصبحوا جزءًا من بنية السلطة السياسية. فالمسلمون الأمريكيون اليوم فئة "مُطالبة".
في السنوات الأخيرة، أظهرت استطلاعات الرأي العام الأمريكي أن المسلمين لديهم أكثر الآراء إيجابية تجاه الشعب الفلسطيني، بينما لدى أغلبية كبيرة منهم رأي سلبي تجاه الحكومة الإسرائيلية. لذلك، بالنسبة لشريحة من الناخبين المسلمين، لم تعد القضية مجرد "سياسة خارجية"، بل أصبحت مسألة تتعلق بالهوية والأخلاق وحقوق الإنسان ومكانة المسلمين في السياسة الأمريكية. من هذا المنظور، يحمل ظهور سياسيين مثل عبد الرحمن السيد دلالات رمزية وسياسية بالغة الأهمية.
وقد فاز عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي في ولاية فاز بها ترامب في انتخابات عام 2024. وهو مسلم، وينتمي إلى الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، ويركز على العدالة الاقتصادية، ويدعو إلى إصلاح نظام الرعاية الصحية، وقد عارض الدعم العسكري الأمريكي غير المشروط لإسرائيل. ولم تكن منافسته مع هولي ستيفنز مجرد منافسة شخصية، بل تحولت إلى استفتاء داخل الحزب الديمقراطي حول مستقبل سياسة الشرق الأوسط. والجدير بالذكر أن فوزه لا يعزى فقط إلى أصوات المسلمين. وذكرت وكالة رويترز أنه بالإضافة إلى الناخبين العرب، تمكن أيضا من حشد الشباب وجزء من الناخبين البيض الليبراليين والمتعلمين.
تغير نظرة جيل الشباب إلى إسرائيل وفلسطين
يعد تغير نظرة جيل الشباب إلى إسرائيل وفلسطين من أبرز التغيرات التي تشهدها أمريكا. فالشباب الأمريكي، ولا سيما الديمقراطيون منهم، ينظرون إلى الحكومة الإسرائيلية بنظرة أكثر نقدا، وإلى الفلسطينيين بنظرة أكثر إيجابية، مقارنة بالأجيال الأكبر سنا. وقد أفاد مركز بيو للأبحاث في يوليو/تموز 2026 بوجود اختلاف ملحوظ حتى بين أصغر الديمقراطيين سنا في تقييمهم لإسرائيل والفلسطينيين.
يعد هذا التغيير ذا أهمية تاريخية بالغة، فإذا استمر هذا التوجه، لن تقتصر القضية على انتخابات 2026 فحسب، بل ستصبح العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قضية حساسة للغاية داخل الحزب الديمقراطي، بدء من انتخابات الرئاسة عام 2028 وما بعدها.
يعتقد بعض الديمقراطيين أنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تسمح لإسرائيل بتحديد سياستها تجاه إيران. بعبارة أخرى، لم يعد يُنظر إلى "الدفاع عن إسرائيل" و"الدخول في حرب مع إيران" على أنهما القضية نفسها بالضرورة. قد يكون هذا التحول في التفكير حاسماً لمستقبل السياسة الأمريكية.
من وجهة نظر إسرائيلية، ربما لا تكمن الرسالة الأهم لانتخابات 2026 في هزيمة أو فوز حزبٍ ما، بل في تغيير الجيل السياسي الأمريكي. فعلى مدى عقود، كان دعم إسرائيل من القضايا القليلة التي تحظى بتوافق نسبي بين الحزبين في أمريكا. أما الآن، فقد تراجع هذا التوافق داخل الحزب الديمقراطي بشكلٍ كبير.
لا يعني هذا نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ولكنه يُرجّح أن يعني نهاية عهد الدعم السياسي الذي لم يكلف الولايات المتحدة ثمنا باهظا.
إعادة تشكيل أوسع للسياسة الأمريكية
ينبغي النظر إلى انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 كجزء من إعادة تشكيل أوسع للسياسة الأمريكية. فالتغيير لا يقتصر على نسبة مقاعد الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بل يشمل أيضا التحالفات السياسية في أمريكا. فالشباب والمسلمون والعرب والديمقراطيون التقدميون باتوا أكثر ميلا من أي وقت مضى إلى نأي أمریکا بنفسها عن حروب الشرق الأوسط ودعم إسرائيل دعما غير مشروط.
من جهة أخرى، أدخلت الحرب الأمريكية الإيرانية لعام 2026 قضية غير مسبوقة إلى السياسة الداخلية الأمريكية. فإذا استمرت الحرب حتى نوفمبر، فقد تتحول الانتخابات فعليا إلى تصويت على الثقة أو سحب الثقة في سياسة ترامب تجاه إيران.
وإذا استمر هذا التوجه حتى الانتخابات الرئاسية لعام 2028، فقد تصبح العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، والسياسة الأمريكية تجاه إيران، وموقف الناخبين المسلمين، أحد المحاور الرئيسية الثلاثة للسياسة الخارجية الأمريكية.
ولا تقتصر انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 على العامين الأخيرين من ولاية ترامب فحسب. ستحدد هذه الانتخابات أيضا شکل الانتخابات الرئاسية لعام 2028. فإذا فاز الديمقراطيون بأغلبية المجلس في عام 2026، فسيبدأون فعليا في بناء سردية انتخابية في عام 2027 مفادها: أطال ترامب أمد الحرب، وأرهق الاقتصاد، وكان علينا إيقافه. أما إذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية في المجلسين، فستكون سرديتهم عكس ذلك تماما: "هزم ترامب إيران، وضمن أمن إسرائيل، وكان الديمقراطيون يريدون إيقافه". لذا، قد تصبح إيران، دون قصد، قضية رئيسية في الانتخابات الأمريكية لعام 2028.