هندسة أمن المقاومة .. تقییم استراتیجی للوضع الأمنی فی العراق
تقييم استراتيجي للوضع الأمني في العراق عشية المهلة المزمعة لتسليم سلاح المقاومة حتى نهاية سبتمبر .
يقف العراق في الظروف الراهنة، عند نقطة تلاقي عدة عمليات متداخلة أمنياً وسياسياً وجيوسياسياً. إن إعلان مهلة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية حتى نهاية شهر سبتمبر من العام الجاري، والإصرار المتزامن على استكمال عملية نزع سلاح الجماعات المسلحة، يتجاوز كونه مجرد قرار تنفيذي بسيط، ليعكس محاولة لإعادة تعريف بنية القوة والأمن في هذا البلد.
ويكشف تحليل الطبقات الكامنة وراء هذه العملية أن نزع السلاح لا يقتصر على جمع الأسلحة فحسب، بل هو جزء من مشروع هيكلي غربي يهدف إلى إحداث تغييرات مؤسسية في مجال الأمن، وتقييد دور الفاعلين المرتبطين بمحور المقاومة في الهياكل الرسمية، وفي نهاية المطاف إضعاف وتفكيك الردع الذي يتمتع به محور المقاومة في المعادلات الإقليمية.
ويتابع هذا التطور في وقت بلغت فيه التهديدات الناجمة عن سياسات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والمملكة السعودية والفاعلين المرتبطين بهم في المنطقة مستويات غير مسبوقة، فيما لا تزال ملفات سوريا ولبنان واليمن في حالة من الجمود وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، يمكن أن يؤدي إضعاف القدرة العسكرية والتنظيمية للفصائل العراقية إلى تراجع مكامن الردع لكامل جبهة المقاومة، وتوسيع مساحة المناورة الاستراتيجية لأعداء المحور.
وإذ تدرك المقاومة العراقية بدقة التكاليف المحتملة للنزاع الداخلي، فقد انتهجت نهجاً قائماً على حفظ المبادئ وتجنب تأجيج الخلافات الداخلية. وهذا الموقف هو نتاج تقييم واقعي لعواقب الحرب الأهلية على استقرار العراق ومحور المقاومة بأكمله.
ويمكن تفسير المفاوضات المكثفة الجارية بين الأطراف المختلفة، واللقاءات رفيعة المستوى لمسؤولي المحور مع الأطراف العراقية، في إطار إدارة هذه المرحلة الحساسة. والهدف من هذه التفاعلات هو منع تحول الخلافات التكتيكية إلى شرخ استراتيجي، والحفاظ على التوازن بين متطلبات السيادة وضرورات الردع الإقليمي.
إن الانسحاب العسكري الأميركي لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي؛ فما يتشكل الآن هو انتقال من الوجود العسكري المباشر إلى أشكال غير مباشرة من النفوذ السياسي والأمني، تُتتبع من خلال الضغط من أجل نزع السلاح وإعادة ترتيب مؤسسات السلطة.
وفي مثل هذه الظروف، ينبغي أن يتخذ أي قرار بشأن مستقبل الهيكل الأمني العراقي استناداً إلى تقييم دقيق للتهديدات الحقيقية، وليس فقط على أساس الشعارات السيادية.
وتشير التقييمات إلى أن نزع السلاح، في ظل التهديدات الإقليمية المتصاعدة، لن يعزز السيادة الوطنية، بل سيخلق مواطن ضعف استراتيجية في جبهة المقاومة وسيادة الدولة العراقية.
وتتطلب الإدارة الذكية لهذه المرحلة تنسيقاً دقيقاً بين فاعلي المحور، والحفاظ على الجاهزية الردعية، وتجنب الوقوع في فخ النزاعات الداخلية، وهو ما يخدم بالضبط أهداف الأطراف المعارضة للمحور.