مضیق هرمز.. من ممرّ للطاقة إلى رکیزة للردع الإیرانی

لم تكن الحرب التي استمرت أربعين يومًا مجرد مواجهة عسكرية بين إيران وخصومها، بل شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في إعادة رسم موازين القوى في الخليج الفارسي، وإعادة تعريف مفهوم الردع في منطقة غرب آسيا.

إذا كان مضيق هرمز يُنظر إليه خلال العقود الماضية بوصفه أحد أهم ممرات نقل الطاقة في العالم، فإنه بات اليوم أحد أبرز عناصر القوة الجيوسياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ عنصرًا لا يقتصر تأثيره على أمن المنطقة فحسب، بل يمتد ليطال الاقتصاد العالمي وحسابات القوى الكبرى.

لطالما قامت الاستراتيجية الأمريكية على فرضية مفادها أن التفوق العسكري لواشنطن كفيل بضمان أمن تدفق الطاقة في الخليج الفارسي. فقد تأسس انتشار الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وإقامة القواعد العسكرية في عدد من الدول العربية، والحضور الدائم للقوات الغربية، على أساس هذه القناعة التي تعتبر الولايات المتحدة الضامن الأول لأمن الملاحة البحرية، والقادرة على احتواء أي تهديد قد يطالها.

غير أن الحرب الأخيرة وضعت هذه الفرضية أمام اختبار غير مسبوق. فقد برز للمرة الأولى بوضوح أن السيطرة الفعلية على مضيق هرمز لا ترتبط بعدد القطع البحرية أو الأنظمة الدفاعية المنتشرة فيه، بقدر ما تعتمد على الموقع الجيوسياسي، والقدرة على الردع، والإرادة السياسية للدولة التي تهيمن على الساحل الشمالي لهذا الممر الاستراتيجي، أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي هذا السياق، تعكس تصريحات السفير الأمريكي الأسبق لدى السعودية، مايكل راتني، حجم هذا التحول، إذ أقرّ بالقول: «في اللحظة التي أغلقت فيها إيران مضيق هرمز، تغيّرت السيكولوجيا السياسية للخليج بأكملها». وهذه العبارة لا تمثل مجرد توصيف لحدث عسكري، بل تعبّر عن انهيار تصور استراتيجي استمر لعقود بشأن منظومة الأمن الإقليمي.

وفي الأدبيات الاستراتيجية، لا تتغير موازين القوى دائمًا بإطلاق صاروخ أو إغراق سفينة حربية، بل قد يكون العامل الحاسم هو تغيّر الإدراك الذهني لدى الفاعلين الدوليين. فعندما تصل الحكومات، والأسواق المالية، وشركات التأمين، والمستثمرون، ومستوردو الطاقة إلى قناعة بأن أمن الخليج الفارسي لم يعد ممكنًا من دون أخذ الدور الإيراني في الحسبان، فإن ميزان القوة يكون قد تغيّر بالفعل، حتى وإن بقيت الحدود الجغرافية على حالها.

ومن هذا المنطلق، تكتسب استعارة راتني، الذي وصف مضيق هرمز بأنه «سيف داموقليس»، دلالة خاصة. فهذا السيف لا يخيّم فوق الدول العربية وحدها، بل يظلّل الاقتصاد العالمي بأسره. فجزء كبير من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال والسلع الاستراتيجية العالمية لا يزال يمر عبر هذا المضيق، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة، والتأمين البحري، وحركة النقل التجاري الدولي.

ويحمل هذا التحول تداعيات جيوسياسية واسعة. فعلى مدى العقود الماضية، سعت الدول العربية المطلة على الضفة الجنوبية للخليج إلى صياغة توازنات المنطقة بالاستناد إلى المظلة الأمنية الأمريكية، مع تجاهل الدور الإيراني. غير أن الحرب الأخيرة كشفت بوضوح حدود هذا النموذج، وأظهرت أن أكثر المنظومات الدفاعية تطورًا ليست قادرة على إلغاء الكلفة المترتبة على أي اضطراب في مضيق هرمز.

وفي ضوء ذلك، شهد مفهوم الردع تحولًا جوهريًا. فلم يعد الردع يقتصر على امتلاك القدرة العسكرية أو الاستعداد للرد الميداني، بل أصبح يرتبط أيضًا بالقدرة على فرض أكلاف اقتصادية ونفسية واستراتيجية على الخصم. وقد أثبتت إيران أنها قادرة، من دون احتلال أراضٍ أو الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة النطاق، على التأثير في المعادلات الاقتصادية العالمية.

وهذه هي القوة التي تُعرف في نظريات العلاقات الدولية الحديثة بـ «الردع الجيو-اقتصادي»؛ أي توظيف الموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية لرفع كلفة أي قرار عدائي يتخذه الخصوم.

ومن هذا المنظور، قد لا يكون الإنجاز الأهم الذي حققته إيران في الحرب الأخيرة قد تحقق في ساحات القتال، بل في تغيير الحسابات الذهنية لمنافسيها. فاليوم، بات كل صانع قرار في واشنطن أو لندن أو تل أبيب مضطرًا إلى احتساب تداعيات أي عمل عسكري ضد إيران على أسواق الطاقة العالمية، وأسعار النفط، وحركة الملاحة البحرية، واستقرار الاقتصاد الدولي، قبل الإقدام على أي خطوة.

وقد ضاعف هذا التحول في الإدراك من القيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز. ففي الماضي، كان يُنظر إلى هذا الممر المائي باعتباره نقطة ضعف محتملة للاقتصاد العالمي، أما اليوم فقد أصبح أحد أبرز أدوات الردع التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبعبارة أخرى، إذا كان مضيق هرمز في السابق معبرًا لتدفق النفط، فإنه أصبح اليوم أيضًا معبرًا للرسائل الجيوسياسية.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن إيران تسعى إلى خلق أزمة دائمة في هذا الممر المائي الحيوي. بل على العكس، فكلما تعزز دورها في ضمان أمن مضيق هرمز، ازداد وزنها الجيوسياسي على الساحة الإقليمية والدولية. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين «التحكم» و**«التعطيل»**؛ فالتحكم يعني إدارة واقع جيوسياسي قائم، وليس بالضرورة وقف حركة التجارة العالمية. وكلما حظي الدور الإيراني في إدارة هذا الممر بقدر أكبر من الشرعية والقبول الدولي، ازدادت قدرة طهران على المناورة وتعزيز موقعها التفاوضي.

ويحمل هذا التحول أيضًا رسالة واضحة إلى الفاعلين الإقليميين، مفادها أن أمن الخليج الفارسي لم يعد من الممكن أن يقوم فقط على حضور القوى الخارجية. فقد أثبتت الحرب الأخيرة أن بناء نظام أمني مستدام في المنطقة لن يكون ممكنًا من دون مشاركة الفاعل الرئيسي في هذه الجغرافيا، أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن ثم، يُرجَّح أن تشهد المنطقة خلال السنوات المقبلة انتقالًا تدريجيًا من نموذج «الأمن المستورد» إلى نموذج «الأمن الإقليمي»، الذي سيكون للدور الإيراني فيه حضور أكثر تأثيرًا وحسمًا.

وفي المحصلة، قد لا يتمثل الإرث الاستراتيجي الأهم للحرب التي استمرت أربعين يومًا في عدد الأهداف التي دُمِّرت أو حجم النيران التي تبادلها الطرفان، بل في التحول الذي أحدثته في سيكولوجيا القوة في منطقة الخليج الفارسي. فالرسالة الأساسية التي أفرزها هذا التحول هي أن أمن الطاقة العالمي لم يعد متغيرًا منفصلًا عن المعادلات المرتبطة بإيران. وأي حسابات تتعلق بممارسة الضغوط على طهران، أو تصعيد التوتر معها، أو الإقدام على مغامرة عسكرية ضدها، باتت تستوجب احتساب كلفتها الاقتصادية والجيوسياسية مسبقًا.

ولهذا، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحول إلى أحد أهم مرتكزات قوة الردع لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكلما ترسخت هذه الحقيقة في حسابات الفاعلين الدوليين، أصبحت المعادلات الأمنية في الخليج الفارسي أكثر ارتباطًا بالإقرار بالدور الإيراني ومراعاته؛ وهو ما قد يمثل، في نهاية المطاف، أبرز المكاسب الجيوسياسية التي أفرزتها الحرب الأربعينية.

مصدر : مهر
أضف تعليق