کیف تعید إیران تعریف موازین القوة؟

إيران في مواجهتها الراهنة تعيد تعريف "بُعد القوة". لم تعد اللعبة مقتصرة على من يملك السلاح الأقوى، بل على من يملك القدرة على جعل الخصم يعيد التفكير في "نهاية الحرب". هنا، لا نقرأ الصراع بالأرقام والخسائر، بل نقرأه كمعركة إرادات؛ حيث تحولت العقوبات من أداة للتركيع إلى ورقة في يد المتمسك بزمام شروط الغد.

کتب الباحث العراقي رسول حسين أبو السبح في مقال لـإیسنا أنه في الحروب الكبرى، لا تكون الخسارة دائمًا حيث تسقط القنابل، ولا يكون الانتصار بالضرورة حيث تُرفع الرايات فوق المدن، أحيانًا تبدأ النتيجة الحقيقية للحرب بعد توقف النار، عندما يجلس الخصوم إلى طاولة الحساب، ويكتشف كل طرف أن ما امتلكه من قوة لم يكن كافيًا لتحقيق ما أراده.

هنا تحديدًا تبدو التجربة الإيرانية جديرة بالتوقف، فإيران لم تدخل المواجهة الأخيرة بوصفها دولة تبحث عن اختبار عسكري عابر، وإنما باعتبارها طرفًا يدرك أن الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ليست مواجهة بين جيشين فحسب، بل صراع على من يحدد قواعد الأمن والسياسة في الشرق الأوسط.

 

كيف تعيد إيران تعریف موازین القوة؟
الباحث العراقي رسول حسين أبو السبح

ولهذا فإن قراءة المشهد من زاوية عدد الصواريخ والطائرات والضربات وحدها تقود إلى نتيجة ناقصة، السؤال الحقيقي هو… من استطاع أن يغيّر حسابات خصمه؟

ربما تكون إحدى أخطر مشكلات القوة أنها تقنع صاحبها بأن خصمه أضعف مما هو عليه، فالقوة المفرطة قد تنتج غرورًا استراتيجيًا، والغرور الاستراتيجي يقود إلى أخطاء في التقدير، لقد افترضت الولايات المتحدة وإسرائيل أن التفوق العسكري والتكنولوجي يمكن أن يترجم سريعًا إلى نتيجة سياسية، وأن الضغط الهائل على إيران سيجعلها أمام خيارين… التراجع أو الانهيار.

لكن إيران تعاملت مع المسألة بطريقة مختلفة، لم تكن بحاجة إلى أن تكون أقوى من الولايات المتحدة عسكريًا حتى تمنع واشنطن من تحقيق كل أهدافها، كان يكفيها أن تجعل كلفة تحقيق تلك الأهداف أعلى من قدرة القرار الأمريكي على تحملها سياسيًا واستراتيجيًا.

هنا يتحول مفهوم القوة، فليست الدولة الأقوى هي التي تستطيع أن تضرب أكثر، وإنما قد تكون الدولة الأكثر قدرة على الاستمرار في المواجهة، وإعادة توزيع أوراقها، وفرض أثمان على خصمها، هي التي تمتلك اليد الأثقل في نهاية المطاف.

إيران لا تحتاج إلى خوض الحرب بالطريقة التي تريدها واشنطن، يكفيها أن تجعل خصمها يخوضها في البيئة التي اختارتها هي، وهذا فرق جوهري بين الرد على الحرب وبين إعادة تعريف مسرح الحرب.

ان تسليم السلاح لمن يجيد استخدامه ليس مجرد مسألة عسكرية، إنه قاعدة في بناء الردع، فالسلاح لا تكون قيمته في مخازنه، وإنما في العقيدة التي تحكم استخدامه، وفي القدرة على دمجه ضمن رؤية استراتيجية، وفي الاستعداد لتحمل النتائج المترتبة عليه.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الإيرانية، فطهران لم تبنِ قوتها الإقليمية اعتمادًا على التفوق التقليدي وحده، وإنما عملت على بناء منظومة متعددة المستويات… صواريخ، مسيّرات، قدرات بحرية، عمق جغرافي، شراكات إقليمية، وخبرة طويلة في مواجهة العقوبات والضغوط.

وهذا جعل استهداف إيران لا يعني بالضرورة الوصول إلى مركز واحد يمكن إسقاطه بضربة واحدة، إنها منظومة تستطيع أن تتلقى الضربة، ثم تعيد إنتاج قدرتها على الرد.

ولهذا فإن السؤال لم يعد… هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟، فالجواب معروف، السؤال الأصعب هو… هل تستطيع الولايات المتحدة فرض النظام الإقليمي الذي تريده بعد الضربة؟، وهنا تظهر الفجوة بين التفوق العسكري والانتصار السياسي.

ربما يكون مضيق هرمز واحدًا من أوضح الأمثلة على تغيير معادلة القوة، فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، إنه عقدة في الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس على الطاقة والتجارة والأسواق، ولهذا فإن امتلاك القدرة على التأثير في أمنه يمنح إيران ورقة استراتيجية تتجاوز حدودها الجغرافية.

وفي التطورات الراهنة، تحولت قضية إعادة فتح المضيق إلى جزء من التفاوض نفسه، مع طرح طهران شروطًا تتعلق بإنهاء الحرب ورفع الضغوط الاقتصادية والبحرية عنها، وهنا تظهر المفارقة… الطرف الذي أراد استخدام الضغط الاقتصادي والبحري لإجبار إيران على تقديم التنازلات، وجد نفسه مضطرًا إلى التفاوض حول شروط عودة الملاحة، وهذه ليست بالضرورة نهاية الصراع، لكنها بالتأكيد تغيير في موقع أوراق التفاوض.

 فالولايات المتحدة دخلت المواجهة وهي تملك تفوقًا هائلًا في القوة العسكرية والاقتصادية، لكن التفوق لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية.

وتشير قراءات حديثة للحرب إلى أن إيران خرجت من المواجهة تحت ضغط اقتصادي وعسكري كبير، لكنها لم تنهَر، بينما واجهت واشنطن بدورها صعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة.

وهذه هي المفارقة التي يجب أن يلتفت إليها كل من يقرأ المشهد من بعيد، قد تخسر دولة جزءًا من قدراتها العسكرية، لكنها تربح موقعًا تفاوضيًا، وقد تدمر قوة عظمى أهدافًا كثيرة، لكنها لا تستطيع تدمير إرادة الخصم السياسية.

وهنا أقول… إذا كان أينشتاين قد ساهم في تغيير فهم الإنسان للزمان والمكان، فإن إيران في هذه المواجهة دفعت خصومها إلى التفكير في بُعد آخر من أبعاد القوة وهوالقدرة على تغيير عدّاد الصراع، فلا يكفي أن تعرف متى تبدأ الحرب، المهم أن تعرف كيف تجعل خصمك يعيد التفكير في نهايتها، ولا يكفي أن تمتلك السلاح، المهم أن تجعل وجوده يدخل في حسابات خصمك قبل أن يستخدمه، ولا يكفي أن تكون محاصرًا بالعقوبات، المهم أن تستطيع تحويل الحصار نفسه إلى عنصر في معركة الإرادات، ولا يكفي أن تتعرض للضربة، المهم أن تمنع خصمك من تحويل الضربة إلى انتصار سياسي.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة الإيرانية، لقد أرادت واشنطن أن تجعل القوة العسكرية وسيلة لإعادة تشكيل إيران والمنطقة، لكن إيران دفعت المعادلة في الاتجاه المعاكس، من مواجهة إيران إلى التفاوض معها حول شكل ما بعد المواجهة.

ولذلك فإن المعركة لم تعد فقط حول من يملك السلاح الأقوى، وإنما حول من يملك القدرة على تحديد قواعد اللعبة، قد لا تكون إيران خرجت من الحرب بلا خسائر، ولا ينبغي تجاهل حجم الضغوط التي تواجهها.

لكن السياسة لا تُقاس بالخسائر وحدها، فالسؤال النهائي هو… هل استطاع الخصم تحقيق أهدافه؟

وهنا، مهما اختلفت القراءات، يصعب تجاهل أن إيران ما زالت طرفًا مركزيًا في معادلة الأمن الإقليمي، وأن ملفها لم يُغلق بالضربات، وأن مضيق هرمز والاقتصاد والطاقة ما زالت أوراقًا حاضرة في الحسابات الدولية. وتعرف إیران كيف تقاتل عندما تكون أضعف عسكريًا، وكيف تصمد عندما تكون محاصرًا، وكيف تفاوض عندما يظن خصمك أنك لم تعد تملك أوراقًا.

وهنا يبدأ عدّاد آخر، عدّاد لا يقيس عدد الضربات، بل يقيس من بقي قادرًا على تحديد شروط الغد.

مصدر : ایسنا
أضف تعليق