من یحاصر من؟ الحصار أمیرکی... وإیران ترسم معادلة الکلفة

إيران التي اعتادت العقوبات لا تنظر إلى الحصار باعتباره جداراً يُبنى حولها فقط، بل باعتباره معركة يمكن أن تمتد آثارها إلى الخارج.

أميركا تحاصر إيران، لكن المشكلة أن الحصار قد لا يبقى داخل الحدود الإيرانية.

قد تملك واشنطن أقوى اقتصاد وأكبر ترسانة عسكرية في العالم، وتستطيع أن تضغط على إيران بالعقوبات والصواريخ، وتستهدف تجارتها ونفطها، وتضع اقتصادها تحت واحدة من أقسى منظومات الضغط. لكن طهران لا تحتاج إلى امتلاك القوة الأميركية حتى تواجهها؛ ما تملكه هو القدرة على جعل هذه القوة مرتبطة بكلفة، وعلى فتح المواجهة أمام نتائج لا تستطيع واشنطن التحكم بها بالكامل.

فإيران التي اعتادت العقوبات لا تنظر إلى الحصار باعتباره جداراً يُبنى حولها فقط، بل باعتباره معركة يمكن أن تمتد آثارها إلى الخارج. النفط، ومضيق هرمز، وأمن الخليج الفارسي، والملاحة، وأسواق الطاقة، والقدرة على مواصلة الحرب، كلها تدخل في حساب واحد.

وهنا تصبح المفارقة أكثر خطورة: كلما حاولت واشنطن تضييق الخناق على إيران، وجدت نفسها مضطرة إلى حساب ما إذا كان هذا الخناق سيبقى داخل إيران، أم سيتحول إلى أزمة تمتد إلى المنطقة وحلفائها واقتصادها.

لذلك لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع أميركا خنق إيران؟ بل: هل تستطيع تحمّل كلفة خنقها؟

لأن جوهر المواجهة لم يعد متعلقاً بمن يملك القوة الأكبر فقط، وإنما بمن يستطيع أن يجعل استخدام قوة خصمه أكثر تعقيداً وكلفة. ومن هنا تبدأ المعادلة: واشنطن تحاصر إيران، وطهران تحاول أن تجعل الحصار نفسه ساحة للمواجهة.

 

العقوبات حين تعبر حدود إيران

لم يعد الضغط الأميركي يستهدف إيران وحدها. فالعقوبات تمتد أيضاً إلى الدول والشركات التي تتعامل مع طهران، في محاولة لتضييق منافذها التجارية والمالية، وتقليص قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

لكن هذه السياسة تضع مصالح دول أخرى داخل المعادلة.

الصين لديها حساباتها، والدول الآسيوية لديها مصالحها، وشركات الطاقة والشحن تراقب المخاطر، ودول الخليج الفارسي لا تستطيع التعامل مع أي اضطراب كبير في الطاقة باعتباره شأناً بعيداً عنها.

وهنا يتغير السؤال: هل تستطيع واشنطن ممارسة أقصى ضغط على إيران من دون أن تدفع البيئة الاقتصادية المحيطة بها إلى إعادة حساباتها؟

فالعقوبات تستطيع الضغط على الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تستطيع تغيير موقع إيران الجغرافي، ولا فصلها عن الخليج الفارسي، ولا إلغاء ارتباط أسواق الطاقة بما يحدث في المنطقة.

وهذا يمنح طهران مساحة للمناورة لا تأتي من حجم اقتصادها، بل من موقعها داخل شبكة المصالح الدولية.

 

هرمز... صفحة الجغرافيا  التي لا تستطيع واشنطن تجاهلها

ليس مضيق هرمز مجرد ممر بحري. إنه نقطة اختناق رئيسية في منظومة الطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس على النفط والشحن والتأمين والأسواق.

ولهذا فإن أهمية المضيق لا تختصر بفكرة إغلاقه.

الأهم أن وجوده يجعل أي مواجهة واسعة مع إيران مرتبطة تلقائياً بحسابات الطاقة العالمية. فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى تحويل هرمز إلى ساحة حرب كي يدخل في الحسابات؛ يكفي أن يبقى احتمال اضطراب الملاحة حاضراً في تقديرات الأسواق والدول وشركات النقل والتأمين.

ربما طورت بعض دول الخليج الفارسي مسارات وخطوط أنابيب بديلة لتقليل اعتماد صادراتها على المضيق، لكن البدائل لا تلغي حساسية المنطقة أمام حرب واسعة، لأن الطاقة منظومة مترابطة تبدأ بالإنتاج ولا تنتهي عند وصول الشحنة إلى المشتري.

ومن هنا تصبح الجغرافيا الإيرانية عاملاً في حسابات أي حرب، لا مجرد خلفية لها.

 

"ذا أتلانتك": حين يصطدم التفوق العسكري بحدود الحسم

وفي هذا الصدد، نشرت مجلة "ذا أتلانتك" قراءة لافتة لمآلات المواجهة، خلصت فيها إلى أن موازين القوى في "الشرق الأوسط" تبدلت بصورة كبيرة لمصلحة إيران، وأن طهران خرجت من المواجهات العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، رغم الأضرار التي لحقت بمنشآتها النووية والعسكرية، وهي تملك أوراقاً أقوى مما كان يتوقعه خصومها.

وأشارت المجلة إلى أن حملة "الضغط الأقصى" ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني، وأن الضربات العسكرية أصابت منشآت وقدرات مهمة، لكن هذه الأضرار لم تنتج النتيجة السياسية التي كانت واشنطن تراهن عليها: إيران لم تُجبر على تقديم التنازلات التي أرادتها الولايات المتحدة.

لكن أهمية قراءة "ذا أتلانتك" لا تتوقف عند هذه الخلاصة، بل تتصل بما كشفته المواجهة عن طبيعة القوة الإيرانية.

فطهران استطاعت أن تدفع المواجهة إلى مساحات أكثر حساسية بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها، من الطاقة والمنشآت النفطية والغازية إلى الملاحة وأمن الخليج الفارسي والبنية التحتية الحيوية.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: التفوق العسكري يمنح صاحبه قدرة هائلة على توجيه الضربات، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على التحكم بكل نتائج الحرب.

فالضربة العسكرية يمكن أن تحقق هدفاً محدداً، لكن الحرب التي تتسع جغرافياً وسياسياً واقتصادياً تفتح حسابات أخرى لا تحسمها القوة الجوية وحدها.

ولهذا تصبح دلالة ما نشرته "ذا أتلانتك" أوسع من تقييم ميداني؛ فهي تشير إلى فجوة بين القدرة على إلحاق الضرر والقدرة على فرض النتيجة السياسية.

وهذه الفجوة تحديداً هي التي تحاول طهران توسيعها.

 

معركة الذخائر والزمن

من هنا تنتقل المواجهة إلى عامل مختلف: الزمن.

الحرب الطويلة لا تُقاس فقط بما تستطيع الجيوش إطلاقه في الساعات الأولى، وإنما بقدرتها على المحافظة على الجاهزية وتعويض الذخائر وتأمين القواعد والإمدادات، بالتوازي مع إدارة ملفات وأزمات أخرى.

الصاروخ الذي يُطلق اليوم يحتاج إلى بديل غداً، والذخائر المستهلكة تحتاج إلى إنتاج، ومنظومات الدفاع التي تعمل باستمرار تحتاج إلى مخزونات جديدة، والقواعد المنتشرة في المنطقة تحتاج إلى حماية وإمداد متواصلين.

ولهذا فإن استمرار الحرب يخلق معركة موازية لمعركة الميدان: معركة الحفاظ على القدرة نفسها.

وهنا تكمن المفارقة: فالتفوق العسكري لا يُقاس فقط بما تستطيع القوة أن تفعله في لحظة المواجهة، بل بما تستطيع الحفاظ عليه مع مرور الوقت. وكلما طال الصراع، أصبحت المحافظة على هذا التفوق معركة قائمة بذاتها.

فالقوة التي تكون هائلة في لحظة الضربة تحتاج إلى منظومة كاملة حتى تستمر بالفاعلية نفسها: إنتاج، وإمداد، وتمويل، وجاهزية، وقواعد، وقدرة على التعويض.

وبذلك لا يعود السؤال فقط: من يستطيع توجيه الضربة الأقوى؟ بل من يستطيع الحفاظ على قدرته وقراره طوال المواجهة من دون أن تتحول كلفة الاستمرار إلى عبء استراتيجي؟

فالضربة قد تدمر هدفاً، لكنها لا تحسم وحدها مسار الحرب، والحملة الجوية قد تمنح تفوقاً في السماء، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال اليوم التالي.

ولهذا يدخل الزمن في الحساب الإيراني باعتباره عنصراً من عناصر القوة: كلما امتدت المواجهة، أصبح على الطرف الآخر أن يدير ليس فقط عملياته العسكرية، بل أيضاً كلفة استمرارها.

 

الحصار بالحصار

هنا تتحول المواجهة الاقتصادية إلى معادلة أكثر تعقيداً. واشنطن تستخدم النظام المالي والعقوبات، بينما تمتلك إيران أوراقاً مرتبطة بالطاقة والجغرافيا والموقع داخل الأسواق الإقليمية. المعادلة ليست أن إيران لا تتأثر بالعقوبات؛ بل أن التأثير الاقتصادي لا يتحول تلقائياً إلى نتيجة سياسية.

قد تنجح العقوبات في خفض الإيرادات، وقد تؤدي الضربات إلى تدمير منشآت، لكن الانتقال من إضعاف القدرة الاقتصادية والعسكرية إلى فرض الإرادة السياسية يحتاج إلى شيء آخر. وهنا تحديداً تعمل طهران على منع واشنطن من إغلاق المسافة بين الضغط والحسم.

فالحصار الذي أُريد له أن يكون طريقاً إلى إخضاع إيران، تحوله طهران إلى مواجهة تتوزع آثارها خارج حدودها.

 

عندما يصبح حصار إيران أزمة عالمية

لا يمكن القول والجزم أن اقتصاد ايران منفصلاً عن العالم.

النفط الإيراني يدخل في حسابات أسواق الطاقة، ومضيق هرمز يدخل في حسابات التجارة، والخليج الفارسي يدخل في حسابات الأمن العالمي، والصين تدخل في حسابات الاقتصاد الدولي. ولهذا فإن أي توسع كبير في الحرب الاقتصادية أو العسكرية يوسّع دائرة المتأثرين بها. إذا ارتفعت المخاطر في الخليج الفارسي، ترتفع كلفة الشحن والتأمين. وإذا تعرضت الطاقة للاضطراب، تنتقل التداعيات إلى الأسواق. وإذا اتسعت العقوبات، تضطر الدول والشركات إلى إعادة تقييم مصالحها وكلفة تعاملاتها.

وهنا تحديداً تنقل طهران المعركة من كلفة تُفرض عليها إلى كلفة تُفرض على خصومها أيضاً؛ فالحصار الذي أرادته واشنطن أداة لخنق إيران، تحوّله طهران إلى عبء يتسع كلما اتسعت دائرة المواجهة، فلا تعود كلفته محصورة داخل إيران، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والملاحة وحلفاء الولايات المتحدة.

 وهكذا يصبح الحصار شبكة لا جداراً؛ شبكة تتقاطع فيها الجغرافيا بالطاقة والاقتصاد بالأمن، بحيث لا يعود بالإمكان فرض كلفة على طرف واحد من دون أن يدفع المحيط ثمنها.

 

من يحاصر من؟

وهنا نصل إلى السؤال الذي يختصر المعركة كلها. 

أميركا تحاصر إيران، هذا صحيح. لكن إيران تجعل الحصار نفسه ساحة ضغط على خصمها.

واشنطن تستطيع استخدام العقوبات، لكنها مضطرة إلى التفكير في الدول التي ترتبط بإيران اقتصادياً. وتستطيع الضغط على النفط، لكنها تراقب سوق الطاقة. وتستطيع الضغط على الملاحة، لكنها لا تستطيع تجاهل هرمز. وتستطيع توسيع المواجهة، لكنها مطالبة بحساب تداعياتها على القواعد والحلفاء والذخائر والأسواق.

وفي المقابل، لا تتحرك طهران وفق معادلة إنكار تأثير العقوبات أو تجاهل كلفتها، بل وفق محاولة لتحويل موقعها الجغرافي والاقتصادي والاستراتيجي إلى عناصر ترفع ثمن استمرار الضغط عليها.

وهذا هو جوهر "الحصار بالحصار": أن يصبح الضغط على إيران نفسه مصدراً لحسابات وضغوط جديدة على الطرف الذي يمارسه.

 

حين يصبح الحصار عبئاً على من يفرضه

في النهاية، لا تحتاج إيران إلى امتلاك قوة عسكرية مساوية للولايات المتحدة حتى تمنع واشنطن من تحويل تفوقها إلى حسم سياسي. ما تحتاج إليه هو الحفاظ على قدرتها على المواجهة، وعلى أوراقها الاستراتيجية، وعلى قدرتها على جعل أي تصعيد أميركي مرتبطاً بسلسلة من الحسابات التي لا تنتهي عند حدود إيران.

واشنطن تملك التفوق العسكري والنظام المالي العالمي، لكن طهران تملك موقعاً جغرافياً لا يمكن عزله عن أمن الطاقة، وقدرة على إدخال الزمن وكلفة الاستمرار في حسابات المواجهة.

وهنا لا يصبح معيار القوة عدد الصواريخ والطائرات فقط، بل قدرة كل طرف على إدارة الكلفة التي تفرضها المواجهة عليه وعلى خصمه. قد تضغط العقوبات على إيران، لكن الضغط لا يعني بالضرورة التنازل. وقد تحقق الضربة هدفاً عسكرياً، لكن الهدف العسكري لا يعني بالضرورة الحسم السياسي. وقد تملك واشنطن قدرة هائلة على بدء الحرب، لكن إدارة حرب طويلة تفرض حسابات مختلفة تماماً عن حسابات الضربة الأولى.

ومن هنا تتغير المعادلة:

واشنطن تريد أن تجعل الحصار طريقاً إلى إخضاع إيران، وطهران تريد أن تجعل استمرار الحصار نفسه مصدراً للكلفة.

وحين تنتقل المواجهة من حدود الدولة المستهدفة إلى الطاقة والملاحة والأسواق والقواعد والحلفاء، لا يعود الحصار جداراً يحيط بإيران وحدها.

يتحول إلى شبكة من المصالح والمخاطر، وكلما ضاقت الدائرة حول طهران، اتسعت الحسابات المحيطة بها.

وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر عمقاً من: من يملك القوة الأكبر؟

السؤال هو: من يستطيع أن يفرض شروط المواجهة من دون أن يدفع ثمناً يغيّر حساباته؟

ومن هذه الزاوية، لا تعود المعركة مجرد صراع بين عقوبات وصواريخ، بل صراع على إدارة الكلفة، وعلى الزمن، وعلى القدرة على تحويل الجغرافيا والاقتصاد والإرادة السياسية إلى عناصر في معادلة الردع.

واشنطن تحاصر إيران... وطهران تجعل الحصار نفسه كلفة على واشنطن.

مصدر : تسنیم
أضف تعليق