عیون "تل أبیب" ترصد إیران: عندما یتحول المحلل إلى شاهد خوف
يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً للكيان الإسرائيلي ليس: ماذا تفعل إيران اليوم؟ بل: ماذا ستفعل غداً؟ لأن ما يقلق "تل أبيب" حقاً ليس القدرات الإيرانية الحالية، بل العقلية الجديدة التي تقودها، والتي لم تعد تنتظر التهديد لترد، بل تستبق الهجوم لترسم قواعد جديدة.
في مشهد يكشف عن حجم القلق الإسرائيلي، لا يكتفي راز تسيمت، مدير ما يُسمى "برنامج إيران والمحور الشيعي" في معهد "أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي"، بتحليل الموقف الإيراني، بل يكتب عن "تشدد في المواقف" وعن "عقيدة أكثر هجومية" محاولاً القراءة في عقل القيادة الإيرانية الجديدة. لكن ما يثير الانتباه ليس ما كتبه تسيمت، بل ما بين السطور: خوف إسرائيلي مكشوف من تحول إيران إلى "نواة صلبة" لا تلين، وقيادة جديدة تحمل فكراً أكثر حزماً، وعقيدة تتجاوز الردع إلى الهجوم.
هذا المقال ليس مجرد قراءة في تحليل إسرائيلي، بل هو رحلة في أعماق القلق الصهيوني، وكشف لكيفية متابعة الكيان لأدق تفاصيل إيران، وخوفهم من القيادة الجديدة التي تمثل استمراراً لفكر الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، ولكن بمنهجية جديدة، وإرادة أكثر صلابة.
راز تسيمت و"يديعوت أحرونوت": عندما تكون الصحيفة عيناً استخباراتية
ما كتبه راز تسيمت في صحيفة "يديعوت أحرونوت" ليس مجرد تحليل عادي، بل هو وثيقة استخباراتية تنقل قلقاً حقيقياً من التغيرات في القيادة الإيرانية. تسيمت، الذي يعد من أبرز الخبراء الإسرائيليين في ملف إيران، يرسم صورة لإيران لا تعترف بالهزيمة، ولا تقبل بالتنازلات، ولا تكتفي بالردع، بل تسعى إلى فرض معادلات جديدة على الأرض.
في مقاله، لم يكتفِ تسيمت بتحليل الموقف الإيراني، بل كشف عن الخوف الإسرائيلي من القيادة الجديدة، عندما تحدث عن "سلسلة التعيينات التي قررها مؤخراً السيد مجتبى الخامنئي"، معتبراً أنها "تنذر بتغيير في مفهوم الأمن باتجاه الاستعداد لمواجهة طويلة الأمد وزيادة النزعة الهجومية" . هذا يعني أن الكيان الإسرائيلي لا يراقب فقط تحركات إيران، بل يراقب تفاصيل القيادة الجديدة، ويقرأ في تعييناتها ما يشير إلى تحول استراتيجي في الفكر الإيراني.
هل كشف تسيمت خوف الكيان الإسرائيلي أم فضح عجزه؟
كتب تسيمت في "يديعوت أحرونوت" أن إيران لم تعد تكتفي بالمطالبة برفع الحصار البحري مقابل فتح مضيق هرمز، بل أصبحت تطلب الآن أن تُنفذ الالتزامات الأميركية وفقاً لمذكرة التفاهم من حزيران 2026، ومنها الإفراج عن الأموال وتخفيف العقوبات، كشرط مسبق لفتح المضيق .
والأكثر إثارة للدهشة، أن إيران ربطت فتح المضيق بوقف إطلاق النار في جبهات إضافية، لا سيما في لبنان والساحة الفلسطينية . هذا ليس مجرد ورقة تفاوضية، بل هو استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز الردع الإيراني، وتوضيح أن العدو، في كل مرة يفرض فيها على إيران حرباً جديدة، سيواجه مطالب كثيرة وشروطاً أكثر صرامة من تلك التي طُرحت عشية الحرب.
كما كشف تسيمت أن سلسلة التعيينات التي قررها قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي تنذر بتغيير في مفهوم الأمن باتجاه الاستعداد لمواجهة طويلة الأمد وزيادة النزعة الهجومية. وأشار إلى أن كتب التعيين تؤكد الانتقال إلى عقيدة أكثر هجومية، حيث طلب السيد الخامنئي من اللواء أحمد وحيدي، في كتاب تعيينه قائداً للحرس الثوري، ألا يكتفي بـ"أقصى قدر من الردع"، بل أن يحافظ على الجاهزية لـ"عمليات هجومية قوية ضد العدو" .
القيادة الجديدة.. استمرار لفكر الإمام الشهيد بمنهجية أكثر حزماً
ما يميز القيادة الجديدة في إيران، بقيادة السيد مجتبى الخامنئي (دام ظله)، أنها لم تتبنّ فكراً جديداً، بل طورت منهجية الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (رض) في إدارة الصراع مع الاستكبار العالمي. فالإمام الشهيد كان يرى أن المواجهة مع أميركا والكيان الإسرائيلي ليست مجرد صراع عسكري، بل هي معركة وجودية بين مشروعين. وما فعله السيد مجتبى الخامنئي هو ترجمة هذا الفكر إلى عقيدة عسكرية أكثر حزماً، ومنهجية سياسية أكثر جرأة.
وهذا ما يعكسه كتاب تعيين اللواء أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري، حيث طلب منه السيد الخامنئي ألا يكتفي بـ"أقصى قدر من الردع"، بل أن يحافظ على الجاهزية لـ"عمليات هجومية قوية ضد العدو". هذه الكلمات ليست مجرد توجيه عسكري، بل هي إعلان عن مرحلة جديدة في الفكر الإيراني: مرحلة لا تكتفي فيها إيران بالدفاع عن نفسها، بل تسعى إلى نقل المعركة إلى أراضي العدو، وفرض معادلات جديدة على الأرض.
ثلاثة تحولات تثير الرعب في تل أبيب: كيف تغيّرت قواعد اللعبة الإيرانية
لكن لماذا كل هذا الخوف الإسرائيلي؟ ولماذا يتابع الكيان كل تفاصيل إيران بهذا الهوس؟ الإجابة تكمن في ثلاثة تحولات استراتيجية كبرى تشهدها إيران اليوم، تجعل خوف الكيان ليس مجرد هلوسة، بل قراءة واقعية لمستقبل خطير:
أولاً: الانتقال من الدفاع إلى الهجوم
ما تعلنه إيران اليوم ليس مجرد تغيير في اللهجة، بل هو نقلة نوعية في العقيدة العسكرية. فالمستشار الأعلى لقائد الحرس الثوري، محمد رضا نقدي، أعلن صراحة أن العقيدة العسكرية الإيرانية تحولت من الدفاعية إلى الهجومية، وأن القوات الإيرانية مستعدة لتنفيذ عمليات خارج الحدود ونقل المعركة إلى أراضي العدو عند صدور الأوامر . وهذا ما أكده أيضاً نائب قائد قوات حرس الثورة الإسلامية للشؤون السياسية، العميد يد الله جواني، عندما حذّر أميركا والكيان الإسرائيلي من "مفاجآت استراتيجية"، قائلاً إن "العدو يجب أن يعلم أنه لا يمكنه أن يباغتنا، بل عليه أن يتوقع مفاجآت استراتيجية" . هذا يعني أن إيران لم تعد تنتظر الهجوم لترد، بل قد تسبق العدو بضربات استباقية.
ثانياً: مضيق هرمز كسلاح ردع دائم
أكد اللواء أحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري، أنه سيبقي مضيق هرمز مغلقاً "طالما استمرت الولايات المتحدة في القيام بأعمال عدائية" . وهذا ليس مجرد تهديد، بل هو ترجمة عملية للعقيدة الهجومية الجديدة، حيث أصبح المضيق ورقة ضغط إيرانية دائمة، قادرة على تعطيل خُمس إمدادات النفط العالمية في أي لحظة. والمفارقة أن الكيان الإسرائيلي، الذي لا يعتمد على المضيق مباشرة، يخشى من تداعيات إغلاقه على الاقتصاد العالمي، وبالتالي على الدعم الأميركي له.
ثالثاً: التهديد النووي كخيار مفتوح
ربما يكون هذا هو الخوف الأعمق الذي يضمره الإسرائيليون، ولا يجرؤون على البوح به علناً. فوفقاً لتحليل "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)"، فإن الحرب الأخيرة أعادت إحياء النقاش داخل الأوساط الإيرانية حول مستقبل العقيدة النووية، حيث يرى بعض المحللين أن التراجع في بعض عناصر الردع التقليدي قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في سياستها الدفاعية . لكن الأهم من ذلك، هو أن إيران لم تعلن عن أي تغيير في موقفها الرسمي، وما زالت تؤكد التزامها بالضوابط الدولية، بينما تستخدم هذه الورقة كورقة ضغط سياسي في المفاوضات.
فإيران تدرك أن مجرد إبقاء هذا الخيار مطروحاً، دون الإعلان عنه رسمياً، يكفي لإبقاء الكيان الإسرائيلي في حالة ترقب دائم، وجعل أي مغامرة عسكرية ضدها محفوفة بالمخاطر. وهكذا، تتحول الورقة النووية من تهديد وجودي إلى أداة ردع سياسي، تمنح طهران قدرة على فرض شروطها دون الحاجة إلى تجاوز الخطوط الحمراء التي تضعها المواقف الدولية.
إعادة هيكلة ايرانية تعكس تطويراً في الفكر القيادي
في خطوة تعكس جدية التطوير في الفكر القيادي الإيراني، قرر السيد مجتبى الخامنئي دمج مقر الطوارئ "خاتم الأنبياء" مع هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة. هذا القرار، هو أحد أهم التحولات التي طرأت على هيكل قيادة القوات المسلحة، ويهدف إلى تحسين عملية اتخاذ القرارات وتقليص الازدواجية .
لكن الأهم من ذلك هو الدلالة السياسية لهذا القرار. فالدمج يعكس رغبة في جعل القرار العسكري أكثر مركزية وفعالية، وضمان سرعة الاستجابة في حالات الطوارئ، وهو ما يتوافق مع العقيدة الهجومية الجديدة التي تتبناها إيران. وهذا أيضاً ما يقلق الكيان الإسرائيلي، لأنه يدرك أن إيران أصبحت أكثر قدرة على إدارة الأزمات، وأكثر استعداداً لمواجهة طويلة الأمد .
إيران ترفع السقف.. والمطالب تتجاوز هرمز إلى لبنان وفلسطين
ما كشفه راز تسيمت في تحليله هو أن إيران لم تعد تكتفي بالمطالبة برفع الحصار البحري مقابل فتح مضيق هرمز، كما كانت الحال في بدايات الحرب. اليوم، تطالب طهران بأن تُنفذ الالتزامات الأميركية وفقاً لمذكرة التفاهم من حزيران 2026، ومنها الإفراج عن الأموال وتخفيف العقوبات، كشرط مسبق لفتح المضيق. لكن الأكثر إثارة للدهشة، كما يشير تسيمت، هو أن إيران ربطت فتح المضيق بوقف إطلاق النار في جبهات إضافية، لا سيما في لبنان والساحة الفلسطينية.
هذه ليست مجرد ورقة تفاوضية جديدة، بل هي استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز الردع الإيراني، وتوضيح أن العدو، في كل مرة يفرض فيها على إيران حرباً جديدة، سيواجه مطالب كثيرة وشروطاً أكثر صرامة من تلك التي طُرحت عشية الحرب. بمعنى آخر، إيران لا تريد فقط إنهاء الحرب، بل تريد إعادة تعريف قواعد الاشتباك برمتها.
اليد التي تمسك بالمفاتيح
إذاً، الخوف الإسرائيلي المتزايد ليس وليد هلوسة، بل قراءة واقعية لتحولات كبرى تشهدها إيران اليوم. فالانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ومن الردع إلى الردع الهجومي، ومن إدارة الأزمات إلى فرض الشروط، كلها عناوين تجعل الكيان في حالة تأهب دائم، وتجعل محلليها مثل راز تسيمت يكتبون تقاريرهم وكأنهم يقرأون في مستقبل يحمل لهم الكثير من القلق.
وهذا القلق لم يعد مقتصراً على تقديرات تسيمت فقط، بل تحول إلى إجماع تحليلي واسع ضم كبريات الصحف والمجلات العالمية. ففي تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز"، قيل إن إيران باتت اليوم "أكثر عسكرية، وأكثر استعداداً لتحمل المخاطر والاستقواء ببنيتها الاستراتيجية، مع احتفاظها الكامل بقدرتها على المناورة الإقليمية" . ولم تقف الصحيفة عند هذا الحد، بل أوضحت أن إيران لم تفقد عناصرها الأساسية في البنية النووية، ولا تزال تحتفظ بما يُعرف بـ"القدرة على العتبة النووية"، مما يمنحها خياراً استراتيجياً مفتوحاً.
أما "وول ستريت جورنال"، فرأت أن إيران استخدمت فترة الهدنة مع واشنطن للتحضير لتوسيع الحرب، وليس لإنهائها. وفي السياق نفسه، خلص تحليل مجلة "المجلة" إلى أن إيران خرجت من الحرب "أكثر استعداداً لتحمل المخاطر، وأقل تقيداً بمخاوف التصعيد، وأكثر اقتناعاً بأن الضغط العسكري يمكن أن يحقق نتائج سياسية" .
ونقلت شبكة "يورونيوز" عن الضابط السابق في "الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية"، "داني تسينتروفيتش"، تحذيراً مفاده أن "حرباً كان هدفها منع إيران من امتلاك سلاح نووي قد تكون دفعتها إلى الاقتراب من نقطة اللاعودة" . وهذا الاعتراف الإسرائيلي، الذي يتكرر في عدة مصادر، يضيف وزناً أكبر لرواية "إيران الأكثر جرأة"، لأنه يأتي من طرف يعتبر نفسه في موقع الخصومة.
ما أجمعت عليه هذه التحليلات هو أن إيران استطاعت تحويل الحرب إلى نقطة انطلاق استراتيجية، حيث أصبحت أكثر جرأة في مطالبها، وأكثر استعداداً للمواجهة، وأكثر إيماناً بأن الصمود العسكري يمكن أن يفرض معادلات سياسية جديدة. وكما خلصت "وول ستريت جورنال"، فإن طهران ليست مستعدة للعودة إلى الوضع القائم الذي سبق الحرب، بل هي مصممة على ترسيخ إنجازاتها، وفي مقدمتها السيطرة على مضيق هرمز والقدرة على إلحاق ثمن باهظ بأي معتدٍ مستقبلي.
وهكذا، يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً للكيان الإسرائيلي ليس: ماذا تفعل إيران اليوم؟ بل: ماذا ستفعل غداً؟ لأن ما يقلق "تل أبيب" حقاً ليس القدرات الإيرانية الحالية، بل العقلية الجديدة التي تقودها، والتي لم تعد تنتظر التهديد لترد، بل تستبق الهجوم لترسم قواعد جديدة. ففي الماضي، كانت إيران ترد على الضربات، أما اليوم، فهي تفرض شروطها قبل أن تُضرب.
وهذه هي المعادلة التي لم يعتدها الكيان الصهيوني، والتي تجعل كل تحليل لراز تسيمت، وكل تقرير لـ"يديعوت أحرونوت"، مجرد محاولات يائسة لفهم خصم تغيرت قواعده، وبات يكتب المستقبل بإرادته، لا بردود أفعاله.